ابن قيم الجوزية

91

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

منازل العبودية فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة ، قلبه نائم وطرفه يقظان . فصاح به الناصح . وأسمعه داعي النجاح . وأذن به مؤذن الرحمن : حيّ على الفلاح . فأول مراتب هذا النائم : اليقظة والانتباه من النوم . وقد ذكرنا : أنها انزعاج القلب لروعة الانتباه . وصاحب المنازل يقول « هي القومة للّه المذكورة في قوله : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى [ سبإ : 46 ] » . قال : « القومة للّه هي اليقظة من سنة الغفلة ، والنهوض عن ورطة الفترة . وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه . وهي على ثلاثة أشياء : لحظ القلب إلى النعمة ، على اليأس من عدّها ، والوقوف على حدها ، والتفرغ إلى معرفة المنة بها ، والعلم بالتقصير في حقها » . وهذا الذي ذكره : هو موجب اليقظة وأثرها . فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لاستنارة قلبه برؤية نور التنبيه . أوجب له ملاحظة نعم اللّه الباطنة والظاهرة . وكلما حدّق قلبه وطرفه فيها ، شاهد عظمتها وكثرتها . فيئس من عدها ، والوقوف على حدها . وفرّغ قلبه لمشاهدة منّة اللّه عليه بها ، من غير استحقاق ، ولا استجلاب لها بثمن . فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها . وهو القيام بشكرها . فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية : محبة المنعم . واللهج بذكره ، وتذكر اللّه وخضوعه له ، وإزراءه على نفسه . حيث عجز عن شكر نعمه . فصار متحققا ب « أبوء لك بنعمتك عليّ . وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » وعلم حينئذ أن هذا الاستغفار حقيق بأن يكون سيد الاستغفار . وعلم حينئذ أن اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم . وعلم أن العبد دائما سائر إلى اللّه بين مطالعة المنة ، ومشاهدة التقصير . قال : « الثاني : مطالعة الجناية ، والوقوف على الخطر فيها ، والتشمير لتداركها ، والتخلص من رقها ، وطلب النجاة بتمحيصها » . فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة . ويعلم أنه على خطر عظيم فيها ، وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه . وقد ذمّ اللّه تعالى في كتابه من نسي ما تقدّم يداه . فقال وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ الكهف : 57 ] فإذا طالع جنايته شمّر لاستدراك الفارط بالعلم والعمل . وتخلص من رقّ الجناية بالاستغفار والندم . وطلب التمحيص . وهو تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية ، كتمحيص الذهب والفضة ، وهو تخليصهما من خبثهما . ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص . فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب . ولهذا تقول لهم الملائكة سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزّمر : 73 ] وقال تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ [ النّحل : 32 ] فليس في الجنة ذرّة خبث . وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء : بالتوبة ، والاستغفار ، وعمل الحسنات